قالت صحيفة "كاتيميريني" (ekathimerini) اليونانية إنه لم يعد يُنظر إلى تبادل التصريحات الحادة بين إسرائيل وتركيا على أنه مجرد خلاف سياسي عابر، بل يمكن اعتباره انعكاسًا لقلق متزايد إزاء التحولات الإقليمية التي قد تُعيد رسم موازين القوى في شرق المتوسط، في وقت تتقارب فيه القاهرة وأنقرة.
ووجّه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخرًا تهديدات شديدة اللهجة ضد إسرائيل، رابطًا الهجمات الإسرائيلية في سوريا ولبنان بأمن تركيا. وحذّر من أي انتهاك للمصالح التركية في شرق المتوسط وقبرص، ملمحًا إلى أن أنقرة لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شعرت بأن موقعها مهدد.
وشدد الرئيس التركي على ضرورة إظهار بلاده القوة لردع إسرائيل وكبح جماح تحركاتها في قطاع غزة.
فضلاً عن تصريحات أدلى بها مسؤولون أتراك (مثل تصريح وزير الداخلية التركي عن "تحرير القدس")، والتي قوبلت بردود إسرائيلية حازمة تؤكد أن عهد "الإمبراطوريات" قد ولى، وهدد وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي مؤخرًا بأن إسرائيل ستشن حربًا على سوريا عاجلاً أم آجلاً.
وفقًا للتقرير، فإنه في تركيا، هناك استياء عميق تجاه أنشطة إسرائيل في الشرق الأوسط وهيمنتها العسكرية، وهو ما لخصته التقييمات الإسرائيلية بكلمتين: القلق والحسد.
وهناك مخاوف في تركيا من أن تصبح هدفاً محتملاً لسلاح الجو الإسرائيلي. وقد برزت تركيا في التحليلات السياسية والأمنية الإسرائيلية كـ"مواجهة استراتيجية جديدة" أو "إيران جديدة" في المنطقة.
ومن بين هذه التحليلات تصريحات الجاسوس الإسرائيلي المولود في الولايات المتحدة، جوناثان بولارد، الذي قال إن إسرائيل "ستضطر لخوض حرب ضد تركيا ومصر" بعد التعامل مع إيران وغزة ولبنان.
أما "الحسد"، فهو ينبع من مكانة إيران البارزة وجرأتها في الحروب. إذ يرغب أنصار أردوغان في رؤية زعيم قوي، لكن الكلمات القاسية ضد إسرائيل، على عكس الصواريخ، لا تكلف شيئًا، كما يقول التقرير.
وعلى مدى عقدين من الزمن، سعى أردوغان إلى ترسيخ مكانته كزعيم إقليمي قوي وذي نفوذ. ولذلك، فهو يصرّ على موقفه، مؤكدًا للجميع حضوره وأن أي اتفاق مستقبلي في المنطقة لا يمكن التوصل إليه دون أنقرة.
قيود استراتيجية
وأشار التقرير إلى أن هناك قيودًا استراتيجية قوية تمنع إسرائيل وتركيا من الانزلاق إلى صراع مسلح مباشر، تتمثل في عضوية تركيا في حلف الناتو وعلاقتها الوثيقة مع الولايات المتحدة، التي لن تتسامح مع اشتباك بين اثنين من حلفائها.
من الناحية الاستراتيجية، لا تشترك إسرائيل وتركيا في حدود برية، كما أن القدرات العسكرية التقليدية لتركيا (بجيشها النظامي الكبير والمتطور) تجعل أي غزو أو هجوم واسع النطاق مكلفًا للغاية وغير واقعي لكلا الجانبين.
وتشير التقارير الاستخباراتية (بما فيها تقارير أكاديمية الاستخبارات الوطنية التركية) إلى أنه على الرغم من التوتر، توجد توصيات واضحة بضرورة إبقاء قنوات الاتصال الدبلوماسية والأمنية مفتوحة مع إسرائيل للحفاظ على أساس عقلاني للحوار وتجنب أي سوء تقدير.
غير أنه وبحسب التقرير، فإن هذا لا يعني أن التوتر سينتهي. فالساحة السورية تمثل اختبارًا حاسمًا للرئيس التركي. سوريا منطقة أمنية، أو بالأحرى فناء خلفي، لأنقرة، وأي تغيير في موازين القوى في دمشق، أو شمال سوريا، أو على طول الحدود الطويلة بين البلدين، يؤثر بشكل مباشر على المصالح التركية.
وتُعتبر التوغلات الإسرائيلية في سوريا وضرباتها تدخلاً إسرائيليًا في منطقة تسعى تركيا إلى تعزيز نفوذها فيها. وحتى أبريل 2025، لم تكن هناك قواعد اشتباك متفق عليها بين تركيا وإسرائيل في سوريا. ومع ذلك، كان مبدأ عدم تجاوز "الخط الأحمر" متفقًا عليه ضمنيًا.
ركزت تركيا عملياتها شمال حلب، وفي إدلب، وفي مناطق شرق الفرات، بينما حافظت إسرائيل على وجودها في هضبة الجولان، وجبل الشيخ، والقنيطرة، وريف درعا الغربي، ومنعت أي قيود على حرية طيرانها في المجال الجوي السوري. وهو ما يفسر عدم رد تركيا عندما دمرت إسرائيل قاعدة تي-4 الجوية في ريف حمص ومطار حماة العسكري.
وحافظ البلدان على آليات تجنب الصدام التي وضعتها الوفود الاستراتيجية التركية والإسرائيلية خلال اجتماعهما في باكو بأذربيجان، في أبريل 2025. والتي تهدف إلى منع أي حادث أو سوء تقدير قد يؤدي إلى تصعيد غير مقصود، وإلى إبقاء المنافسة ضمن حدود الاحتواء المتبادل.
سيناريوهات محتملة
ويرجح التقرير إذا ما حدث تصعيد عسكري بين تركيا وإسرائيل، أن يقع في سوريا، باعتبارها الساحة الأكثر احتمالاً للتوتر. أو قد يحدث ذلك عبر الحرب السيبرانية والاستخباراتية: من خلال تكثيف التجسس الرقمي، وحملات أمنية مشددة على شبكات التجسس، وحرب المعلومات الإلكترونية.
وأسوأ سيناريو هو هجوم إسرائيلي في شمال سوريا يقترب بشكل خطير من منطقة تتواجد فيها القوات أو الميليشيات التركية، أو حادث بحري في شرق البحر الأبيض المتوسط تفسره أنقرة على أنه انتهاك لحقوقها.
وحتى الآن، لا يزال الطريق إلى المواجهة العسكرية المباشرة طويلاً. ولا يملك أي من الطرفين حاليًا أي ذريعة لبدء حرب مباشرة، كما يقول التقرير.
والسيناريو الأكثر ترجيحًا، بحسب التحليل هو استمرار تبادل التهديدات والتصريحات والتغريدات والإدانات، وربما يصاحب ذلك مزيد من الإجراءات الدبلوماسية أو الاقتصادية.
التقارب المصري التركي
وتسارعت وتيرة التقارب بين مصر وتركيا بعد سنوات من القطيعة والخلافات، متجهة نحو مستويات أعمق تشمل الطاقة والصناعة والتجارة والتنسيق السياسي، وحتى التعاون العسكري والصناعات الدفاعية.
ويُعيد هذا تشكيل التوازنات الإقليمية بطريقة لا تخدم السياسات الإسرائيلية، لا سيما إذا تطور إلى محور إقليمي جديد يضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان. ويهدف هذا المحور إلى إعادة تعريف ميزان القوى في الشرق الأوسط، والحد من الاعتماد التقليدي على المظلة الأمنية الغربية، وتقييد حرية إسرائيل في التحرك بالمنطقة.
وقد يدفع التوتر المستمر بين إسرائيل ومصر بشأن غزة القاهرة نحو توثيق علاقاتها مع أنقرة. في المقابل، إذا تحسنت العلاقات المصرية الإسرائيلية وبُذلت جهود حقيقية لاستعادة الثقة وتجاوز الخلافات، فسيكون لذلك أثر إيجابي على التقارب بين القاهرة وأنقرة.
وترغب القاهرة في التقرب من تركيا لممارسة الضغط على إسرائيل، ولكن دون التورط في النزاع القائم بين تركيا وإسرائيل، وفق التقرير.
ولا يُشكّل هذا تهديدًا لمصر؛ إنه نزاع بين دولتين متنافستين في المنطقة، وأي توتر بينهما سيمنح القاهرة فرصة للعب دور الوساطة. وهذا من شأنه أن يُعزز النفوذ المصري في المنطقة في نهاية المطاف.
وفي الوقت ذاته، تسعى القاهرة للحفاظ على تحالفها التاريخي مع أثينا. وقبل أيام، اختتمت القوات الجوية المصرية دورة القيادة التكتيكية العاشرة (TLP-10) التي استضافتها قاعدة جوية مصرية. وترغب مصر في اتباع مسارين متوازيين: تحالفها مع قبرص واليونان من جهة، وتفاهماتها مع تركيا من جهة أخرى، للضغط على إسرائيل.
علاوة على ذلك، تسعى إلى ترسيخ دور الوسيط، سواء بين تركيا وإسرائيل، أو بين تركيا واليونان وقبرص، مع الحفاظ على التحالفات القائمة.
https://www.ekathimerini.com/in-depth/analysis/1307488/war-of-words-between-turkey-and-israel-and-egypts-role/

